على متن الخطوط الجوية

      Comments Off on
على متن الخطوط الجوية

كنت في رحلة داخلية في رمضان لهذه السنة (1438هـ), وبينما أنا في كرسي الطائرة, شد إنتباهي على صوت جلبة بين مضيفة وشاب. حيث كانت المضيفة تقول “الطائرة Overbooked (محجوزة بالكامل) لا يمكنك الجلوس بأي مكان” إلتفت إلى جهة الصوت, وإذا بالمضيفة وبجانبها شابان. وإذا بأحد هذين الشابين بكل هدوء ينظر إلى صديقه ويقول سنبحث عن مقعدين آخرين. ثم إلتفت يميناً ويساراً فوجدا كرسيين فارغان فقال لصديقه إجلس هنا وأنا سأجلس هنا. عندها أسقط في يد المضيفة ولم تستطع أن تمنعهما. وكان السبب أن زوجين قررا الجلوس في المقعدين الذين يعودان للشابين. فلما حضرا استأذن الزوج منهما, فلم يمانعا الشابان وقاما بالبحث عن مقعدين آخرين. عندها أتتهم المضيفة وحدث ما  حدث. المهم بعد ما جلس الشابان في مقعدين مختلفين عندها قررت المضيفة التعامل باحترافية مع الموقف, فطلبت كروت الصعود للطائرة من الزوجين وبحثت عن المقاعد المخصصة لهما. وكان – من توفيق الله – لهذين الشابين أن جلسا فعلاً في المقاعد التي كانت مخصصة للزوجين, وانتهت قصتهما بسلام. ولكن لم تنتهي قصتنا حيث بقيت الطائرة دون حراك ولازال هناك أناس واقفين على متن الطائرة. في وقتها كان الطاقم ما بين ذهاب وإياب, حتى أن كابتن الطائرة كان معهم. وكان الطاقم يتخاطبون فيما بيهنم بلغة الاشارة التي نفهم منها واحد أوإثنان ولكن لا نعرف ما هو الواحد أوالإثنان. مرت أربعون دقيقة بعد موعد الإقلاع المزمع دون حراك. والناس أخذت بالتأفف والتململ دون توضيح السبب من قبل طاقم الطائرة. بعدها بفترة وجيزة تكلم كابتن الطائرة عبر المكبر موضحاً للركاب أن سبب التأخير هو البحث عن مقعدين متجاورين لعائلتن مختلفتين. عندها قام شابان متجاوران بالتنازل عن مقعديهما لعائلة وقام آخران بالفعل نفسه للعائلة الأخرى. حلت المسألة في أقل من خمس دقائق وذلك بالتعاون من قبل الجميع. فالكل لديه نفس الهدف ألا وهو الوصول للوجهة في الوقت المحدد سواءً كانوا ركاباً أم طاقماً للطائرة.

يقال أن الإعتراف بالمشكلة نصف الحل. فالإنكار لا يحل المشكلة, حيث كانت المضيفة تريد إلزام الشابين بالجلوس بالمقعدين المخصصين لهما, رغم تنازلهما عنهما! وكان الزوجان سيبحثان عن مقعدين آخرين لهما إذا ما رفض الشابان التنازل عن مقعديهما. هذه هي ثقافتنا ومن قبلها ديننا الذي يحركنا. التوافق مطلب, ولايمكن تبادل الإحترام إلا إذا احترم كل طرف مبادئ الآخر. فالركاب يحترمون مبادئ الخطوط بضرورة الإلتزام بالمقاعد المخصصة لهم والخطوط تحترم مبادئ الركاب. لا بد للخطوط من الإعتراف بهذه المبادئ ومحاولة التعامل معها باحترافية بدلاً من مصادمتها أو تحديها. في رأيي كان يمكن التغلب على هاتين المشكلتين بالتالي:

الحالة الأولى: بإمكان المضيفة سؤال الشابين عن رغبتيهما وتوضيح أن الذين أخذا مقعديهما هما عائلة واحدة. فإن رفض الشابان كان لزاماً على العائلة مغادرة المقعدين ومن ثم البحث لهما عن مقعدين آخرين. وإن وافقا يطلب من العائلة إبراز كرت صعود الطائرة ومن ثم اخبار الشاببن عن مقعديهما الجديدان. بهذا يكون حل المشكلة متفهم واحترافي من قبل الخطوط الجوية.

الحالة الثانية: يُعطي كابتن الطائرة فرصة 15 دقيقة لطاقم الطائرة في حل مشكلة المقاعد. فإن لم يحلوها يقوم كابتن الطائرة بإبلاغ الركاب عن سبب التأخير وهو البحث عن مقاعد. في هذه الحالة سيتساعد الركاب مع الطاقم في تسهيل عملية البحث. فلا بد من وجود ركاب لا مانع لديهم من استبدال مقاعدهم في سبيل وضع عائلة بجانب بعضها البعض. في الطائرة العملية تكاملية متى ما تعاون الطاقم مع الركاب كان ذلك في مصلحة الجميع والعكس صحيح.

مشهد من الطائرة, تُشكر إدارة الخطوط على السماح للصائمين بإدخال إفطارهم الرمضاني معهم للطائرة. ويُشكر الركاب على مساعدة الطاقم في الضيافة. فبعد إبلاغ كابتن الطائرة أن وقد المغرب قد حل باشر الطاقم بتوزيع وجبات الإفطار على الركاب وكذلك الركاب قاموا بتبادل إفطارهم الرمضاني مع بعضهم البعض. حتى أن بعض الركاب إذا ما وجد فرصة يقوم من مكانه ويشارك إفطاره الرمضاني مع الركاب الآخرين وكذلك الطاقم. مشهد جميل قلما تجد نظيراً له في مكانٍ آخر.

شكر خاص للمضيفين والمضيفات الذي يتفهمون طبيعة مجتمعنا. وآمل أن تُعقد دورات للمضيفين والمضيفات عن كيفية التعامل مع مثل هذه المشكلات لرفع مستوى الإحترافية, فالانكار لن يحل المشكلة بل سيزيدها سوءاً.